لسان الدين ابن الخطيب
56
الإحاطة في أخبار غرناطة
محمد بن محمد بن لب الكناني من أهل مالقة ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بابن لب . حاله : كان ذاكرا للعلوم القديمة ، معتنيا بها ، عاكفا عليها ، متقدّما في علمها على أهل وقته ، لم يكن يشاركه أحد في معرفتها ، من الرياضيّات والطبيعيّات والإلهيّات ، ذاكرا لمذاهب القدماء ، ومآخذهم في ذلك ، حافظا جدا ، ذاكرا لمذاهب المتكلّمين من الأشعريّة وغيرهم ، إلّا أنه يؤثر ما غلب عليه من مآخذ خصومهم ، وكان نفوذه في فهمه دون نفوذه في حفظه ، فكان معتمده على حفظه في إيراده ومناظرته ، وكان ذاكرا مع ذلك لأصول الفقه وفروعه ، عجبا في ذلك ؛ إذا وردت مسألة ، أورد ما للناس فيها من المذاهب . وعزم عليه آخر عمره ، فقعد بجامع مالقة ، يتكلّم على الموطّأ ، وما كان من قبل تهيّأ لذلك ، إلّا أنه ستر عليه حفظه ، وتعظيم أهل بلده له . قال ابن الزّبير : وكانت فيه لوثة ، واخشيشان ، وكان له أربّ في التّطواف ، وخصوصا بأرض النصارى ، يتكلم مع الأساقفة في الدّين ، فيظهر عليهم ، وكانت أموره غريبة ، من امتزاج اليقظة بالغفلة ، وخلط السّذاجة بالدّعابة . يحكى عنه أنه كانت له شجرة تين بداره بمالقة ، فباع ما عليها من أحد أهل السّوق ، فلمّا همّ بجمعها ، ذهب ليمهّد للتّين بالورق في الوعاء ، فمنعه من ذلك ، وقال له : إنما اشتريت التين ، ولم تدخل الورق في البيع ، فتعب ذلك المشتري ما شاء اللّه ، وجلب ورقا من غيرها ، حتى انقضى الأمر ، وعزم على معاملته في السنة الثانية ، فأول ما اشترط الورق ، فلمّا فرغ من الغلّة ، دعاه فقال له : احمل ورقك ، فإنه يؤذيني ، فأصابه من المشقة في جمعه من أطراف الغصون ما لم يكن يحستب ، ولم تأت السنة الثالثة ، إلّا والرجل فقيه ، اشترط مقدار الكفاية من الورق ، فسامحه ورفق به . دخل غرناطة وغيرها ، وأخباره عجيبة . قال أبو جعفر بن الزّبير : عرض لي بمالقة مسائل ، يرجع بعضها إلى الطريقة البيانيّة ، والمآخذ الأدبية ؛ وضحت ضرورة إلى الأخذ معه فيها ، وفي آيات من الكتاب العزيز ، فاستدعيته إلى منزلي ، وكان فيه تخلّق ، وحسن ملاقاة ، مع خفّته الطبيعية وتشتّت منازعه ، فأجاب ، وأخذت معه في ذلك ، فألفيته صائما عن ذلك جملة . وصمته : قال : وكان القاضي الجليل أبو القاسم بن ربيع وأخوه أبو الحسن ينافرانه على الإطلاق ، ويحذران منه ، وهو كان الظاهر من حاله . قال : واستدعاني في مرض اشتدّ به ، قبل خروجي من مالقة على انفراد ، فتنصّل لي مما كان يذنّ « 1 » به ، وأكثر البكاء ، حتى رثيت له .
--> ( 1 ) يذنّ به : يتّهم به ؛ يقال : ذنّ في مشيته : مشى مشية ضعيفة ، وذنّ الشيء : سال ، وجاء هنا -